ما الذي يهم طبيب الأسنان فعلاً عند اختيار الزركون؟
في مقالنا السابق تحدثنا عن مادة الزركون واستخداماتها الواسعة في تصنيع تركيبات الأسنان الحديثة، وهي مادة أصبحت من أكثر المواد انتشاراً في طب الأسنان التعويضي خلال السنوات الأخيرة. ولن أتناول هنا المزايا العامة للزركون، فهذه المعلومات أصبحت متاحة بكثرة في الكتب العلمية والمراجع المتخصصة ومصادر الإنترنت، وإنما سأناقش جانباً أكثر أهمية يتعلق بكيفية اختيار نوع الزركون المناسب لكل حالة سريرية.
من أكثر المفاهيم شيوعاً بين بعض الممارسين أن الزركون مادة "لا تنكسر"، أو أنها تتمتع بقوة مطلقة تجعلها حلاً مثالياً لجميع الحالات. والحقيقة العلمية أن جميع المواد المستخدمة في طب الأسنان، بما فيها الزركون، لها حدود ميكانيكية يمكن أن تتعرض بعدها للكسر أو الفشل السريري عند تجاوزها.
عند الحديث عن قوة الزركون، فإن الشركات المصنعة عادةً ما تذكر قيمة مقاومة الانحناء (Flexural Strength)، والتي تُقاس بوحدة الميجاباسكال (MPa). وتختلف هذه القيم بين أنواع الزركون المختلفة، حيث تتراوح غالباً بين 600 و1300 ميجاباسكال تقريباً حسب تركيبة المادة ونسبة الإيتريا المضافة إليها وخصائصها البصرية والميكانيكية.
لكن من المهم أن ندرك أن هذه الأرقام يتم قياسها في ظروف مخبرية قياسية وعلى عينات اختبار ذات أبعاد محددة، وبالتالي لا تعكس وحدها الأداء السريري النهائي للتركيبة داخل فم المريض. فالقوة الفعلية للتركيبة تتأثر بعوامل عديدة أهمها سماكة الزركون، وتصميم التحضير، وموقع السن، ونمط الإطباق، وطبيعة القوى المطبقة أثناء المضغ.
ولهذا السبب فإن نجاح تركيبات الزركون لا يعتمد فقط على اختيار قرص زركون ذي مقاومة عالية، بل يعتمد أيضاً على التحضير السليم للأسنان. فعندما تنخفض سماكة الزركون عن الحدود الموصى بها من قبل الشركة المصنعة، تنخفض القدرة الميكانيكية للتركيبة بشكل ملحوظ، حتى وإن كانت المادة الأصلية ذات مقاومة مرتفعة للكسر.
وتوصي معظم الشركات العالمية المنتجة للزركون بحدود دنيا لسماكة المادة تختلف باختلاف نوع الزركون والاستطباب السريري، وغالباً ما تتراوح بين 0.5 و1.0 مم للأسنان المفردة، مع الحاجة إلى سماكات أكبر في المناطق المعرضة لقوى إطباقية مرتفعة أو في الجسور السنية.
لذلك، قبل السؤال عن قوة الزركون أو مقارنة الأرقام المكتوبة في نشرات الشركات، ينبغي تقييم مجموعة من العوامل السريرية المهمة، منها:
- عمر المريض.
- عدد الأسنان المفقودة.
- موقع الترميم (أمامي أو خلفي).
- نوع الإطباق وقوة العض.
- وجود عادات وظيفية ضارة مثل صرير الأسنان.
- طول الجسر وعدد الوحدات.
- مستوى المتطلبات الجمالية للمريض.
فقد يكون نوع معين من الزركون مثالياً لحالة ما، بينما يكون غير مناسب لحالة أخرى، رغم أن كلا النوعين يتمتعان بمواصفات فنية ممتازة.
ومن خلال خبرتنا الممتدة لأكثر من 25 عاماً في مجال تصنيع تركيبات الأسنان، وأكثر من 15 عاماً في التعامل مع منتجات الزركون المختلفة، وجدنا أن العامل الأكثر تأثيراً في رضا الطبيب والمريض لا يتمثل في رقم القوة فقط، بل في حسن اختيار المادة المناسبة لكل حالة، واتباع بروتوكولات التصميم والتصنيع الصحيحة.
هل يختلف الزركون الأوروبي عن الأمريكي أو الياباني أو الصيني؟
كثيراً ما يُطرح هذا السؤال عند الحديث عن أقراص الزركون المستخدمة في معامل الأسنان. والحقيقة أن المادة الأساسية المستخدمة في تصنيع الزركون الطبي هي أكسيد الزركونيوم (Zirconium Dioxide - ZrO₂)، وهو مركب خزفي متطور يتم إنتاجه وفق معايير صناعية دقيقة ليصبح مناسباً للاستخدامات الطبية وطب الأسنان.
وتعتمد جودة المنتج النهائي على عدة عوامل، منها:
- جودة المواد الخام.
- نقاء المسحوق المستخدم.
- تقنيات التصنيع والكبس والتلبيد.
- أنظمة ضبط الجودة.
- الاختبارات الفيزيائية والكيميائية التي تجرى على المنتج النهائي.
وتوجد في السوق العالمي شركات متخصصة في إنتاج المواد الخام الخاصة بالزركون، من أشهرها شركة TOSOH اليابانية، التي تحظى بسمعة عالمية واسعة في هذا المجال. كما توجد شركات أخرى في الصين وأوروبا ودول مختلفة تنتج مواد خام عالية الجودة.
أما التصنيفات المتداولة بين بعض الموردين مثل "درجة أولى" و"درجة ثانية"، فلا يوجد معيار علمي دولي موحد يعتمد هذا التصنيف بشكل رسمي، ولذلك ينبغي الاعتماد على نتائج الاختبارات الفنية والشهادات المعتمدة والمواصفات المنشورة للمنتج بدلاً من الاعتماد على أوصاف تسويقية عامة.
الخلاصة
عند اختيار مادة الزركون لتصنيع تركيبات الأسنان، لا ينبغي التركيز على بلد المنشأ أو رقم القوة المعلن فقط، بل يجب النظر إلى الصورة الكاملة التي تشمل خصائص المادة، وتصميم الحالة، وطريقة التحضير، وتقنيات التصنيع، وطبيعة المريض نفسه.
فالنجاح السريري طويل الأمد لا يتحقق بأقوى زركون متاح في السوق، وإنما باختيار الزركون المناسب للحالة المناسبة، وتصنيعه وفق معايير علمية دقيقة تضمن التوازن بين القوة والجمالية والاستدامة.
مراجع علمية يمكن الاستشهاد بها
- Marco Ferrari et al.
- Fundamentals of Zirconia in Dentistry – Springer Nature.
- Jens Fischer & Marco Stawarczyk.
- "Zirconia Ceramics in Dentistry: Current Status and Future Perspectives."
- Dental Materials Journal.
- American Dental Association – Materials and Zirconia-Based Restorations.
- International Organization for Standardization
- Dentistry — Ceramic Materials Standard.
معد وكاتب المقال:
موسى أحمد الفيفي
خبير تصنيع تركيبات الأسنان
خبير تأسيس وتشغيل معامل الأسنان
مؤسس وشرك والمدير العام ل معامل المختبر السعودي لتقنية الأسنان
مبتكر العلامة التجارية ZZirCam
مؤسس وشريك شركة سن تك الطبية